عبد الملك الجويني
303
نهاية المطلب في دراية المذهب
القصاص في النفس ؛ لأن مستحقهما واحد ، فإذا عفا عن الطرف ، فكأنه ضمن سلامة الأطراف ، ففي قتله إتلاف أطرافه . ولو قال : عفوت عن القصاص في النفس ، وأنا أقتص من الطرف ، فله ذلك ، لم يحك ( 1 ) فيه اختلافاً ، وإن كان القطع ربما سرى إلى البدن ، ولكن لا حكم لهذه السراية . والدليل عليه أنه إذا استحق الطرفَ دون النفس ، فله قطع الطرف ، وإن كانت النفس محرمة عليه وقد سرى الجراح . ومما يتعلق بهذه الجملة أن الجاني لو قتل إنساناً بأن أجافه جائفة ، وقلنا : لوليّه أن [ يجرحه ] ( 2 ) في رعاية المماثلة . فلو قال عفوت عن النفس ، ولكني أجيفه ، فليس له ذلك ؛ فإن الجائفة لا يجري فيها القصاص لو انفردت عن النفس . فصل 10564 - قال العراقيون : إذا قطع رجل يدَ رجل ، فعفا المجني عليه عن القود ، فسرى الجرح إلى نفس المجني عليه ، ومات ، فالمذهب أنه لا يجب القصاص في النفس ؛ فإنه عفا عن الجراحة أولاً ، فصار ذلك شبهة ، وفيه وجهٌ بعيد عن أبي الطيب بنِ سلمة ، كما ذكرناه . قالوا : ولو قطع يد رجل ، فعفا المجني عليه عن القصاص في الطرف ، وأخذ المال مثلاً ، ثم إن الجاني عاد فقتل المجني عليه ، وحزّ رقبته ، فهل لأوليائه القصاص أم لا ؛ تفريعاً على أن الجناية لو سرت ، لم يجب القصاص في النفس ؟ ذكروا وجهين : أحدهما - لا قصاص عليه ، وذلك أن حزَّ الرقبة بعد قطع اليد بمنزلة سراية الجراحة في القصاص والدية . هذا هو النص ، والقصاص لا اندراج فيه ، والدية على الاندراج في السراية ، وحزُّ الرقبة ، لم يخالف فيه إلا ابنُ سريج ، فإذا كان القتل من قاطع اليد بمثابة سراية
--> ( 1 ) لم يحك : المراد صاحب التقريب . نقل ذلك الرافعي صريحاً عن الإمام ( السابق : 303 ) . ( 2 ) في الأصل : " يحرمه " .